سميح عاطف الزين

111

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ذهب عبد المطلب وحيدا ليعاود عمله ، وقد ترك ابنه المسكين يغطّ في نومه من التعب . . وانقضت ساعات وهو منكب على الحفر كأنما هاجر بنفسه من هذه الحياة إلى دنيا جديدة لا يرى فيها إلّا حجيجا وماء ، والناس أمامه ترتوي ، والبهائم تعبّ ، وهو مستأنس ، هانىء . . وأفاق الحارث في الصباح ، فهرع إلى أبيه ، وتقدم محاولا أن يأخذ منه المعول ، ولكنّ أباه دفعه عنه بقوة ، مما جعل الحارث يخاف عليه ، وهو يراه على تلك الحالة من الشرود كأنما لا يعنيه إلّا ضربات معوله ، واكتشاف المجهول . . وبين دهشة الحارث ، واستغراقه في التأمل بأبيه ، إذا به يتعثر ويسقط على الأرض . . وكانت عثرة مباركة ، إذ هوى على تراب موحل يغطي وجهه ، فلا يكاد يلمسه إلّا ويجد الماء ينضح منه ، فيصرخ بملء صوته : أبي ! إنه الماء . . إنه ماء زمزم يا أبي . . وينبجس الماء تحت قدمي عبد المطلب ، كما انبجس بين قدمي الرضيع إسماعيل عليه السّلام منذ دهر طويل ، فيعود إلى عبد المطلب وعيه ، ويجعله يلتفت إلى ما حوله في هذه الحفرة العميقة ، فإذا بالحارث ينظر إليه والها ، فيدنيه ، ويملأ راحتيه بالماء ، يغسل به وجه وليده وهو يقول له : - هيا يا بني ، ارو ظمأك من ماء زمزم المبارك ، فلا هموم بعد اليوم ، وقد أثقلت على كاهلك طويلا . . أجل يا بنيّ ، هات هذا الوجه الصبوح لأغسل عرقه بيديّ هاتين ، فما أحبّه وجها على قلبي وقد مرّغته أوحال زمزم ، فطبت به عزا ومكرمة ! . ويسترخي عبد المطلب وابنه في تلك الحفرة العميقة ، ثم يتوثّبان